ملا محمد مهدي النراقي

207

جامع السعادات

إليه مريد له ، لا يمكنه أن يمشي إليه لفقد رجله ، أو لا يمكنه أن يتناوله لفقد يده أو لفلج أو عذر فيهما . فلا بد من آلات للحركة ، وقدرة في تلك الآلات على الحركة ، لتكون حركتها بمقتضى الشهوة طلبا فلذلك خلق الله تعالى لك الأعضاء التي تنظر إلى ظاهرها ولا تعرف أسرارها . فمنها ما هو آلة للطلب ، كالرجل للانسان ، والجناح للطير ، والقوائم للدواب . ومنها ما هو آلة لدفع المؤذي والمانع من طلب الغذاء ، كالقرن لبعض الحيوانات ، والأنياب لبعض أخر منها ، والمخلب لبعض آخر منها ، والأسلحة للانسان القائمة مقام هذه الآلة . ومنها ما هو آلة للأخذ والتناول ، فاليدين للانسان . ثم لهذه الأعضاء أسباب وحكم خارجة عن الحد والحصر ، وقد تقدم قليل من حكمها وعجائبها في باب التفكر . فصل عجائب المأكولات عمدة ما يتوقف عليه الأكل وأصله ومناطه ، هي الأغذية والأطعمة المأكولة ، ولله تعالى في خلقها عجائب كثيرة لا تحصى ، وأسباب متوالية لا تتناهى . والأغذية والأدوية من الأطعمة لم يبلغ عددها من الكثرة حدا يمكن إحصاؤها وحصرها ، فضلا عن بيان عجائبها وأسبابها . فنحن نترك الجميع ، ونأخذ من جملتها حبة من الحنطة ، ونبين بعض أسبابها وحكمها وعجائبها . فنقول : قد خلق الله في حبة الحنطة من القوى ما يتغذى به كما خلق فيك ، فإن النبات إنما يفارقك في الحس والحركة دون الاغتذاء ، لأنه يتغذى بالماء . ولا تتعرض لذكر آلات النبات في اجتذاب الغذاء إلى نفسه ، بل نشير إلى لمعة من كيفية اغتذاء الحبة . فنقول : أن الحبة لا تغتذي بكل شئ ، بل يتوقف اغتذاؤها على أرض فيها ماء . ولا بد أن تكون أرضها رخوة متخلخلة بتغلغل الهواء إليها ، فلو تركتها في أرض ندية صلبة متراكمة لم تنبت لفقد الهواء . ثم الهواء لا يتحرك إليها بنفسه ، فلا بد من حصول أسباب الريح حتى تحرك الهواء وتضربه وينفذ فيها بقهر وعنف ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :